هندسة السماء: بين “الموج المكفوف” ورحلة فويجر
تُعد قاعدة “المثاني” منهجاً قرآنياً فريداً، وتعني أن الآيات يثني بعضها على بعض ويُفسر بعضها بعضاً؛ فإذا استعصى فهم دلالة في موضع، وجدنا تفصيلها في موضع آخر. يقول تعالى في سورة الزمر: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23).
رفع السماء: كيف وبأي أداة؟
في سورة الغاشية، يطرح القرآن تساؤلاً يدعو للتفكر: ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ – الغاشية. ويأتي “ثنيُ” هذا المعنى في سورة الرحمن ليبين لنا الأداة: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ – الرحمن. فالميزان علمياً هو حالة التوازن الدقيق بين قوى الجذب والدفع، ولكن أين هي حدود هذه السماء؟ وكيف تعمل كدرع؟
سورة الأنبياء تصفها بـ ﴿سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾. وفي كتب التفسير، نجد وصفاً مذهلاً لقتادة حين قال: “سقفاً مرفوعاً، وموجاً مكفوفاً”. وثبّت ابن عباس هذا المعنى حين سُئل رسول الله عن السماء فقال: “موج مكفوف عنكم”. كما وصفها ابن كثير بأنها على الأرض “كالقبة”.
البرهان العلمي: رحلة فويجر إلى المجهول
في عام 1977، أطلقت ناسا مسباري (Voyager 1 & 2) لاستكشاف تخوم النظام الشمسي. وفي سبتمبر 2013، أعلنت ناسا خبراً تاريخياً: (فويجر 1) غادرت “الغلاف الشمسي” ودخلت الفضاء بين النجمي.
هناك، اكتشف العلماء أن نظامنا الشمسي عليه ما يشبه “القبة المغناطيسية” (Heliosphere). وحال خروج المركبة من هذه القبة، واجهت أمواجاً كهرومغناطيسية قاتلة (أشعة إكس وجاما). هذا الدرع يتكون عند نقطة تصادم الرياح الشمسية بالوسط النجمي، حيث تتباطأ الرياح لتشكل جداراً من البلازما يحمي “السماء الدنيا” من الإفناء. وهكذا رفعت السماء، بالرياح الشمسية.

أليس هذا هو “الموج المكفوف” الذي حدّث عنه رسول الله قبل 14 قرناً؟ وأليس هذا هو “السقف المحفوظ” الذي على الأرض كالقبة ليحمي الحياة من أهوال الفضاء السحيق؟
بقلم: حسين أحمد كتّاب
المراجع:
تفسير ابن كثير، وهي عليها كالقبة – الانبياء: https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/katheer/sura21-aya32.html#katheer
تفسير والسماء رفعها ووضع للميزان – الرحمن: https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura55-aya7.html
والى السماء كيف رفعت – الغاشية: https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura88-aya18.html