مفهوم “العقل” في القرآن الكريم: من الوظيفة إلى المركز
وردت مشتقات جذر الكلمة (عقل) في القرآن الكريم في 49 موضعاً، جاءت جميعها بصيغة الفعل (مثل: يعقلون، تعقلون، نعقل، يعقلها، عقلوه). هذا التكرار بصيغة الفعل يشير إلى أن “العقل” في المنظور القرآني هو عملية وظيفية وحركية وليس مجرد عضو ساكن.
ولكن، القرآن الكريم يذهب إلى أبعد من ذلك بتحديد “المركز” المسؤول عن هذه الوظيفة، حيث يربط التعقّل بالقلب مباشرة في قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الحج: 46]. ولإزالة أي لبس حول المقصود بالقلب (هل هو الروح أم العضو الجسدي)، جاء التعقيب الرباني حاسماً بتحديد الموقع الجغرافي داخل الجسد: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46].
التساؤل العلمي: هل للقلب “دماغ” خاص به؟
هذا الربط القرآني يطرح تساؤلاً جوهرياً في ضوء الحقائق العلمية الحديثة: هل يحتوي القلب على خلايا عصبية تمكنه من ممارسة نوع من الإدراك أو التعقّل؟
تشير الدراسات الحديثة في علم “أعصاب القلب” (Neurocardiology) إلى وجود ما يسمى بـ “دماغ القلب” (The Little Brain in the Heart)، وهو شبكة معقدة تتكون من حوالي 40,000 خلية عصبية (Sensory Neurites). هذه الخلايا تسمح للقلب بالعمل بشكل مستقل عن الدماغ، حيث يمكنه التعلم، التذكر، واتخاذ قرارات حسية ومعالجتها قبل إرسالها إلى القشرة الدماغية.

لغوياً: يَعْقِلُون تعني يفهمون، يُدركون حقائق الأمور، ويتدبّرون، أو يتفكرون في آيات الله ومواعظه. مشتقة من العَقْل الذي يُستخدم للتمييز، الإدراك، والفهم العميق، وتستخدم في القرآن الكريم للدلالة على ربط القلوب بفهم المعاني والاتعاظ.
تفصيل معنى “يعقلون”
– الفهم والإدراك: إدراك حقيقة الأمور ومعرفتها.
– التدبر والتفكر: إعمال العقل في آيات الله ومواعظه للاحتمام والتعلم.
– التميز بين الحق والباطل: العقل هو مناط التكليف، و«يعقلون» تعني استعمال هذا العقل في التمييز.
– الرشد والاعتبار: الإدراك والاعتبار من الدروس والخبرات السابقة.
احد المعاني لهذا الفعل بالانجليزية هو reasoning وهو احد المصطلحات المستخدمة في الذكاء الاصطناعي في ايامنا.
وبما أن القرآن كتاباً متشابهاً مثانيَ – أي يثني بعضه على بعض – فالمعنى موجود في قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ أَيْ: فَيَعْتَبِرُونَ بِهَا، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ أَيْ: لَيْسَ الْعَمَى عَمَى الْبَصَرِ، وَإِنَّمَا الْعَمَى عَمَى الْبَصِيرَةِ.
الأدلة العلمية: اكتشاف “دماغ القلب”
في عام 1991، أحدث الدكتور أندرو آرمور (Dr. J. Andrew Armour) ثورة في علم وظائف الأعضاء حين نشر أبحاثه حول وجود شبكة عصبية معقدة داخل القلب البشري، أطلق عليها اصطلاحاً اسم “دماغ القلب الصغير” (Small Mammalian Heart Brain).

ما الذي اكتشفه الدكتور آرمور؟ أثبتت الأبحاث أن القلب يحتوي على جهاز عصبي جوهري (Intrinsic Cardiac Nervous System) يتكون من حوالي 40,000 خلية عصبية تعمل بكفاءة توازي الخلايا الموجودة في الدماغ. وتتميز هذه الخلايا بالآتي:
- الاستقلالية الوظيفية: يمكن للقلب معالجة المعلومات، والتعلم، والتذكر، واتخاذ قرارات وظيفية بمعزل عن الدماغ المركزي.
- التواصل ثنائي الاتجاه: القلب لا يتلقى الأوامر من الدماغ فقط، بل يرسل إشارات عصبية وهرمونية وكهرومغناطيسية إلى الدماغ، وتحديداً إلى المراكز المسؤولية عن الإدراك والعاطفة (مثل اللوزة الدماغية والقشرة المخية).
- التعقل الحيوي: وجد آرمور أن المعلومات التي يرسلها القلب للدماغ يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على عمليات “التعقل” واتخاذ القرار، وهو ما يفسر علمياً كيف يمكن للقلب أن يكون شريكاً في عملية الإدراك وليس مجرد مضخة.
التوافق بين النص القرآني والعلم الحديث
عندما قال تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾، لم يكن التعبير مجازياً كما اعتقد البعض قديماً، بل هو وصف دقيق لحقيقة بيولوجية. فالعلم اليوم يؤكد أن القلب يمتلك “أدوات” التعقل (الخلايا العصبية)، والقرآن حدد “الوظيفة” (التعقل) والمكان (الصدور)، ليلتقي النص الإلهي مع الكشف العلمي في أدق التفاصيل.
“قلوب يعقلون بها” | بين سبق القرآن وكشوف علم أعصاب القلب
| النص القرآني | الحقيقة العلمية |
| الآية المحورية: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾. | المصطلح: “دماغ القلب الصغير” (Small Mammalian Heart Brain). |
| تحديد الموقع: ﴿الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. | الاكتشاف: شبكة من 40,000 خلية عصبية حسية داخل القلب. |
| الاستنتاج: القرآن يربط “عملية التعقل” (فعل حركي) بعضو “القلب” (مكان في الصدر). | الوظيفة: معالجة المعلومات، الذاكرة الحسية، واتخاذ قرارات مستقلة عن الدماغ. |

الخلاصة: العقل في القرآن ليس عضواً بل وظيفة، والقلب هو المركز المسؤول عنها.
هل غيرت هذه الحقائق العلمية نظرتك لكيفية اتخاذ قراراتك اليومية؟ شاركنا رأيك في التعليقات
بقلم: حسين أحمد كتّاب
المراجع:
2- Armour, J.A. (1991) Anatomy and Function of the Intrathoracic Neurons Regulating the Mammalian Heart هذا البحث المنشور في عام 1991 يُعد حجر الزاوية في علم أعصاب القلب الحديث